مجمع البحوث الاسلامية
243
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهم ضرب من الجناة بجناية القتل ، ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل . نزلت هذه الآية في شأن حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في العرنيّين ، وبه يشعر صنيع البخاريّ إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير ، وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيّين . [ ثمّ ذكر قصّتهم كما تقدّم عن سعيد بن جبير ] وعلى هذا يكون نزولها نسخا للحدّ الّذي أقامه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سواء كان عن وحي أم عن اجتهاد منه ، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره اللّه عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع . وإنّما أذن اللّه له بذلك العقاب الشّديد ، لأنّهم أرادوا أن يكونوا قدوة للمشركين في التّحيّل بإظهار الإسلام للتّوصّل إلى الكيد للمسلمين ، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة . قال أبو قلابة : فماذا يستبقى من هؤلاء قتلوا النّفس وحاربوا اللّه ورسوله وخوّفوا رسول اللّه . وفي رواية للطّبريّ : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض ، رواه عن ابن عبّاس والضّحّاك ؛ والصّحيح الأوّل . وأيّامّا كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية . فالحصر ب ( انّما ) في قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ إلخ على أصحّ الرّوايتين في سبب نزول الآية حصر إضافيّ ، وهو قصر قلب لإبطال - أي لنسخ - العقاب الّذي أمر به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على العرنيّين ، وعلى ما رواه الطّبريّ عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلّا ذلك ، فيكون المقصود من القصر حينئذ أن لا ينقص عن ذلك الجزاء ، وهو أحد الأمور الأربعة . وقد يكون الحصر لردّ اعتقاد مقدّر ، وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ، ويميل إلى التّخفيف منه ، وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلا . وأيّامّا كان سبب النّزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر اللّه فيها ، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النّسبة . والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفعل المعدود بعضها في أصول الفقه ، لأنّه يجعل الحكم جازما . ومعنى يُحارِبُونَ أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عدوانا لقصد المغنم ، كشأن المحارب المبادئ ، لأنّ حقيقة الحرب القتال . ومعنى محاربة اللّه : محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه ، وقد علم أنّ اللّه لا يحاربه أحد ، فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها ، بأنّها محاربة لمن يغضب اللّه لمحاربته ، وهو الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد بمحاربة الرّسول : الاعتداء على حكمه وسلطانه ، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين ، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم ، فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقابا على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام . ثمّ إنّ اللّه شرّع حكما للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول اللّه وبعده ، وسوّى عقوبتها ، فتعيّن أن يصير تأويل يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المحاربة لجماعة المسلمين . وجعل لها جزاء عين « 1 » جزاء الرّدّة ، لأنّ الرّدّة لها جزاء آخر ، فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة . ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين ، ولهذا لم يجعله اللّه جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين ، فلهذا المعنى عدّي
--> ( 1 ) كذا والظّاهر غير .